تتناول المحاضرة أهمية العقل البشري ودوره الأساسي في فهم الدين والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. تستعرض المحاضرة وصايا الإمام موسى بن جعفر الكاظم لهشام في بيان مكانة أصحاب العقول النيرة وثوابهم. كما توضح ضرورة العلم بالله والزهد في الدنيا والسعي لرضاه، وتختتم ببيان فضل مجالس العلماء وأهمية حسن الاستماع والتعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. تحدثت في الحلقة السابقة عن موضوع الولاية، وتحدثت فيها عن كيف يجب على الإنسان أن يستخدم عقله، ولابد أن يفكر في الأمور التي تسيره في دنياه لكي يحظى بآخرة جميلة وآخرة مريحة. اليوم سنتحدث عن موضوع العقل وحديث الإمام موسى بن جعفر الكاظم مع واحد من أتباعه اسمه هشام. الحقيقة، إن العقل قد تحدث عنه صاحب أصول الكافي، فحين يفتح الباحث الجزء الأول من هذه الكتب يجد أن أول ما تحدث عنه هو
العقل؛ لأن أهم شيء في خلقة المخلوقات كلها هو العقل. الإنسان بلا عقل يصير كالبهيمة؛ لأن الإنسان أول ما خُلق لم يكن عقله ناضجاً بعد، ولم يكن عقله كبيراً، فكان عبارة عن مخلوق يتناكح ويتناسل ويأكل ويشرب. بعد ذلك، لما بدأ يكبر عقله وبدأ يتطور، ولما اتّقى قليلاً رب العالمين سبحانه وتعالى وأحس أن عقله بدأ ينضج معه، نفخ فيه روح الإيمان، وهي خلقة آدم الأولى التي سنتحدث عنها لاحقاً.
المهم، العقل مهم جداً للإنسان؛ فنحن في حياتنا العادية نقابل أناساً ونرى أناساً، وتلاحظ أنت وأنت في حياتك ومحادثاتك وتصرفاتك مع العالم أن ليست كل العقول متساوية. فهناك شخص تحدثه فيفهم منك على الفور، حتى إنه لا يستدعي أن تعيد الكلام أو يكفي نصف كلامك ليكون فاهماً الباقي، وشخص تحدثه فيقول لك: أعد مرة أخرى، وشخص بعد أن تتحدث وتنهي كلامك يقول لك: لست فاهمًا، ماذا تقصد؟ هذه عقول مختلفة. وهي عقول كما يقال: فمنها من عُجن عقله مع نطفته،
ومنها من رُكب عقله بعد نطفته، ومنها من أخذ وقتاً بعد مجيء النطفة؛ المهم أن كل العقول تختلف. وإنما يحاسب الله الناس على قدر عقولهم. ويُذكر في كتاب الكافي أيضاً قصة أن رجلاً كان يعبد الله في جزيرة خالية. الجزيرة عبارة عن مكان مليء بالخضار والمزروعات. فواحد من الملائكة يقول لرب العالمين سبحانه وتعالى: يا رب، هذا يعبدك حق عبادتك، يعني كم نال هذا؟ وما مصيره؟
فرب العالمين الذي يعلم الكون ويعلم المخلوقات قال له: انزل عنده وانظر. فتشكل الملاك بشكل إنسان ونزل معه في الجزيرة، وقعد يقول له: أنا تعجبني عبادتك كثيراً، فدعني أعبد معك. فقال له: والله أنا أعبد ربي ليل نهار وأعمل وأعمل وأعمل، ولكن يا أخي، ألا ترى الأرض مليئة بالحشيش؟ لو كان عنده حمار ألم يكن ليحضره ليأكل هذا الحشيش؟ فعرف الملاك وقتها مغزى كلمة ربنا: انزل وانظر عقله؛ لأن الإنسان يحاسبه الله على قدر عقله.
هنا الإمام موسى الكاظم يقول لهشام ماذا؟ يقول له: «يا هشام، إن الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: «فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ» كلمة أولو الألباب في القرآن تعني أصحاب العقول النيرة. «وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ» بشّرهم بأنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، لا يتعصب ويتمسك ويقول: كفر وزندقة وما شابه،
ويبدأ يطبّل ويزمّر، بل يستمعون القول فيتبعون أحسنه. يستخدمون عقولهم في تحليل الكلام. ولما يحللون الكلام وتستوعبه عقولهم، يتبعون أحسن الحديث. يا هشام، ثم وعظ الله أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» التقوى توصلك إلى العلم، والعلم يوصلك إلى التقوى. يا هشام، ثم خوّف الذين لا يعقلون عذابه فقال: «ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ»
وماذا يقصد بذلك؟ يقصد قوم لوط عندما رفعهم، دمَّرهم وقلب الأرض عليهم، والآن المكان الذي وُجدوا فيه هو البحر الميت الواقع في فلسطين. هذا البحر الميت كل حجارته سميت ميتة لأن حجارته لا يستطيع أي كائن حي، لا حشرات ولا حتى بكتيريا ولا أي شيء، أن يوجد في هذا الماء؛ لأنه يحتوي على حجارة من جهنم. فالبحر ميت من الحياة تماماً. فهنا يمرون عليها مصبحين بالفعل، فالناس تذهب وتيجي على البحر الميت ويعملون سياحة أيضاً، ولكن أفلا تعقلون؟
أما تفكرتم قط في أساس هذا البحر؟ ولماذا لم تسألوا قط لِمَ هو ميت؟ ولماذا الناس؟ أنا ذهبت إلى هناك وجربت البحر الميت ووضعت رجليَّ في الماء فخرجت رجليَّ كالمسلوخة؛ لأن الماء هناك مؤذٍ جداً، وتتركز فيه نسبة المواد الحارقة بشكل كبير جداً. طبعاً لن أذكر لك أسماء المواد لأن هذا موضوع آخر. المهم أن هذا الماء لا يصلح للحياة أبداً. إذن يمرون عليها بالليل وبالنهار أفلا تعقلون؟ يا هشام، ثم بيّن أن العقل مع العلم، فقال: «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ»
الذي يعقل أمثال الله هو من يمتلك علماً. أي أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها. يقولون: ما هذا؟ ما هذا؟ ألم يجد الله شيئاً ليقوله غير الذبابة؟ قال: بعوضة فما فوقها؛ لأن هناك مخلوقات أدق من الذبابة؛ كالبكتيريا والفيروس. أرأيتم؟ لأن القرآن حين تفهمينه وتفهمه بعقلك، تجد نفسك تترقى فيه. يا هشام، ثم ذم الذين لا يعقلون فقال: إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون. لماذا؟ لأن من لا عقل له وعقله ضعيف يُعتبر أطرش أصم وأبكم،
إذ لا عقل له؛ لأننا نعرف أن من يسمع يعرف كيف يتكلم، بحسب السمع السائد؛ فلو جلبت طفلاً ووضعته في إنجلترا مثلاً فسيخرج متحدثاً بالإنجليزية، وإن وضعته في أي دولة عربية فسيخرج متحدثاً بالعربية. بحسب السمع، وبحسب النطق بالكلام. فالصم البكم هم الذين لا يسمعون كلام الله ولا يستطيعون النطق به. تأتي لأي شخص لم يمسك القرآن قط، وهذه حقيقة نراها رأي العين أمامنا، تجد معه دكتوراه في معرض العلم الفلاني، ودكتوراه أخرى في العلم العلاني، وتعال قل له: اقرأ لي مثلاً سورة يس أو سورة الملك، فقل له إنه لا يعرف القراءة،
يادوب الفاتحة وقل هو الله أحد، هذا إن كان يصلي أصلاً. فهنا إن لم يسمع فلن يعرف كيف ينطق، وإن لم يسمع كلام الله فلن يعرف كيف يتحدث عن الله. «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ». افهم نفسك؛ علمك في الدنيا جميل تخدم به البشرية، فالطبيب يخدم البشر ويداويهم ويشفيهم، والصيدلاني يعطيهم الأدوية، ودكتور العلوم يقدم لهم كل شيء، إلا أن علمك هذا يقف عند باب المقبرة ويتركك. أما علمك بالله فهو الذي يدخل معك إلى القبر؛
لأن علمك بالله سيوجّهك كيف تتصرف في حياتك، وسيوجهك كيف تتكلم. لقد علّمنا الله في القرآن منذ أن تقوم من النوم إلى أن تنام أن تكون كل حركة لك محسوبة عليك. يعلّمك كيف تمشي، يعلّمك كيف تبتسم، يعلّمك كيف تتحدث، يعلّمك كيف تسمع، يعلّمك كيف تجلس، ويعلّمك في المجلس كيف تحترم المجلس. كل هذا من علم الله. كل هذا العلم ينزل معك إلى تحت ليقدم لك النتيجة هناك في القبر. أما علم الدنيا فيبقى في الدنيا. أنت تنزل إلى تحت خالياً، ويكون علمك هو ما خلّفته وراءك.
يا هشام، ثم ذم الكثرة، فقال: «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ». وقال: «وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْقِلُونَ»، «وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَشْعُرُونَ». وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن... الآن نرى هذا واقعاً؛ فقليل جداً من يتمسك بدينه، وقليل جداً من يفهم في دين الله. تراهم كلهم دخلوا الجامعات وتعلّموا وتفقّهوا: ابني دخل الجامعة الأمريكية وتخرج حاملاً كذا وكذا، وابنتي دخلت تتحدث أربع لغات وهذا حصل على كذا وكذا.
كل هذا كلام فارغ. احسبها حتى لو كانت عشرين لغة، ولكن هل فهمت لغة ديننا؟ هل فهمت لغة ربك؟ لغة القرآن، هل فهمتها؟ إن لم تفهمها، فأنت لم تفعل شيئاً. حين تموت تذهب خالياً. «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» تقول له مثلاً عن الموضوع الفلاني: لا يا شيخ، اتكل على الله يا شيخ، خلاص لا داعي، لا داعي وامشِ كما استفتِ قلبك. هذا هو الموضوع الذي نسمعه الآن. استفتِ قلبك، لو قلبك قال لك: كل، كل من عند ماكدونالدز! لو قلبك قال لك: كل، سمِّ وكل! لو قلبك، ما ينفعش.
أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إذا ما استخدمت عقلك واتبعت دين الله ضعت. أكثر الناس لا يعقلون وأكثرهم لا يشعرون. أارفة كلمة "لا يشعرون" دي تيجي معناها إيه؟ يعني اللي هي عملية التقمص الوجداني. أرقى الناس هما اللي عندهم تقمص وجداني للي قدامهم. يعني مثلاً يشوفك في مشكلة. دينك يعلمك أن لما إنسان يجي يشتكي لك من شكوى، لازم تسمع له، وتسمع له إزاي؟ تتطلع في وجهه. مش تمسك قلم وتقعد تخربش في ورقة وتعمل حالك أنك بتسمع، تقول له: أم أم، سامعك سامعك.
لا، لا تلتهي ولا تكتب ولا تغير عينيك عنه. طريقة الاستماع دي فن، فن. فلذلك اسمع للي قدامك، اشعر معه، حط نفسك مكانه، إدِ له النصيحة إذا كنت تقدر عليها، إذا ما تقدرش تدي له النصيحة هدِّه، طمنه. ده الناس اللي بتحس ببعض، ولذلك الناس دي اللي بتشعر قلبها كله رحمة. والرحمة دي من عند الله سبحانه وتعالى، دي هدية. الإنسان الرحيم تقدر تشوفه في بعض المواقف؛ ما يقدرش يشوف أذية لحد، ما يقدرش يسمع بمصيبة أحد، بيتاثر كتير، دموعه على طول نازلة، يعني أكثر الناس رحمة هما اللي أكثرهم دموعهم على عينيهم.
ولذلك إن العين الجمدة من قساوة القلب. «يا هشام»، ثم مدح القلة فقال: «وقليل من عبادي الشكور». وقال: «وقليل ما هم»، «وما آمن معه إلا قليل». إحنا بنذكر أن مرة كان الخليفة الثاني، اللي هو عمر بن الخطاب، كان ماشي لقى واحد واقف تحت شجرة بيصلي، وبعد ما خلص الصلاة رفع إيديه: «اللهم اجعلني من القليل، اللهم اجعلني من القليل»، فوقف قال له: دعاء جديد أنت مخترعه ده؟ أخذوا بده يقيم عليه الحد؛ أن بيختلف أدعية بيختلق، فلما فهم الموضوع قال له: أن ربنا سبحانه -طبعاً بمرارة الإمام علي زي ما كلنا بنسمع في الكتب، وكلنا سمعنا في المواضيع دي- بمرارة الإمام علي وهو بيتكلم معه قال له في إيه؟
قال له: قاعد بيدعي بيقول له: اجعلني من القليل، قليل إيه؟ قال له: ربنا سبحانه وتعالى قال: «وقليل من عبادي الشكور». فأنت كمان ادعُ: اللهم اجعلنا من القليل. على فكرة، الشكر لله ده واجب علينا، يعني مثلاً أنت بتصلي الظهر وبتصلي العصر، اجعل بين الظهر والعصر ركعتين شكر لله. ها؟ وبعدين اجعل إحنا بنصلي بره ما تخلص الصلاة خالص، ركعة شكر لله، سجدة على القرص، شكر لله. الحمد لله عدد خلقه، الحمد لله زنة عرشه، الحمد لله رضا نفسه، الحمد لله مداد كلماته، لأن أنت: «وإن شكرتم لأزيدنكم».
إذا عايز ربنا يعطيك علم، يعطيك رزق، يعطيك أولاد، يعطيك اللي يعطيك، اشكر ربنا، وإن شكرتم لأزيدنكم. فتعود نفسك بين الصلاة اعمل يعني فاصل بين الظهر والعصر وحط ركعتين شكر لله. ما تخلص العصر تخلص الصلاة بتاعتك، اسجد على القرص سجدة شكر لله عشان تكون من القليل. ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر، قلنا أولي الألباب إيه؟ أصحاب العقول النيرة. وحلاهم بأحسن الحلية فقال: «يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب».
«يا هشام»، قليل العمل من العقل مقبول مضاعف، كثير العمل من الجاهل مردود. خلص. قال له: «يا هشام»، لو كان في يدك جوزة وقال الناس: لؤلؤة، ما كان ينفعك، وأنت تعلم أنها جوزة. ولو كان في يدك لؤلؤة، قال الناس: إنها جوزة، ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة؟ يعني إيه؟ يقصد بأيه؟ يقصد عدم الاغترار بمدح الناس والافتخار باللؤلؤ: والله أنت عظيم، والله أنت بتكلم، تمام؟ وكلامك كله مضبوط، ما تغترش. اعرف أنت اللي في عقلك إيه؟ اللي عقلك يقوله لك إيه؟
إيدك فيها لؤلؤة وهم بيقولوا لك دي جوزة. وخلاص، أنت مقتنع باللي في إيدك؟ مقتنع، خلاص. «يا هشام»، إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وهي الرسل والأنبياء والأئمة، وحجة باطنة وهي العقل. حيحتج ربنا عليك بكرة بكعلك، أنا أديتك العقل، وقلت لك قبل كده إن الله يحاسب الناس على قدر عقولهم. «يا هشام»، الصبر على الوحدة علامة قوة العقل. فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيه، ورغب فيما عند الله، وكان أنسه في أنيس في الوحشة، وصاحبه في الوحدة.
«يا هشام»، خلق الخلق لطاعة الله، ولا نجاعة إلا بالطاعة، والطاعة بإيه؟ هتطيع ربنا إيه غير بالعلم؟ الطاعة بالعلم، والعلم إمتى تعرفه؟ بالتعلم، ولا علم إلا من عالم رباني معصوم، لأن هو هيعلمك العلم الحقيقي الصحيح، ومعرفة العالم الرباني المعصوم عن طريق العقل. يبقى العقل هو الهداية الأولى للإنسان. «يا هشام»، إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه.
ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته. «يا هشام»، من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين، فليتضرع إلى الله في مسألته أن يكمل له عقله. عايز أي حاجة، قل له: يا رب كمل لي عقلي، بس يكمل لك عقلك، كل حاجة بتجيلك. فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبداً. «يا هشام»، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما من شيء عبد الله به أفضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال عشر:
الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان. فضل ماله مبذول (يعني اللي زايد في الفلوس معه بيعطيه)، فضل قوله مكفوف، ما يتكلمش كلام ما فيش داعي له. نصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم طول دهره (يعني طول عمره بيظل يتعلم)، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، التواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر القليل المعروف من غيره (يعني حد يعمل فيه معروف يلاقي كبير قوي قوي، ويظل يقدم له يقدم له يقدم له ويستقل كثير المعروف من نفسه)، يرى الناس كلهم خيراً منه وأنه شر شرهم في نفسه، وهو ده تمام الأمر.
«من تذكر مصاباً فبكى وأبكى لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يُحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب». سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالوا له إيه؟ جاء رجل من الأنصار إلى النبي وسأل، قال له: يا رسول الله، إذا حضرت جنازة ومجلس عالم، أيهما أحب إليك أن نشهد؟ فقال (صلى الله عليه وآله): إذا كانت الجنازة من يتبعها ويدفنها فإن حضور مجلس العالم أفضل من حضور ألف جنازة، ومن عيادة ألف مريض، ومن قيام ألف ليلة، ومن صيام ألف سنة، ومن ألف درهم يتصدق به على المساكين، ومن ألف حج غير الفريضة، وألف غزو سوى الواجب يغزوها في سبيل الله.
أما علمت أن الله تعالى يطاع بالعلم، ويعبد بالعلم، وخير الدنيا والآخرة مع العلم، وشر الدنيا والآخرة مع الجهل؟ طيب، خلينا نقف بقى لغاية النهارده كده. آخر كلمة هقولها لكم: إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، تعلم وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ولا تقطع على أحد حديثه. ننقف لغاية كده إن شاء الله، ونشوفكم في حديث تاني إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.