تتناول المحاضرة تفسير الآيات الأولى من سورة طه، وتحديداً قصة موسى عليه السلام كوسيلة لتسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتخفيف عنه في تبليغ الدعوة. وتوضح المحاضرة شمولية القرآن الكريم لكل علوم الدنيا والآخرة، محذرة من إعراض الإنسان عنه وما يترتب على ذلك من أوزار ثقيلة يوم القيامة. كما تتطرق إلى بعض مشاهد يوم القيامة كحشر المجرمين، وانكشاف الغطاء البصري للإنسان عند الاحتضار لرؤية عوالم الملكوت.
من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. وسنكمل اليوم بقية سورة طه. وتوقفنا في المرة السابقة عند الآية رقم تسعة وتسعين. الآية تقول ماذا؟ بسم الله الرحمن الرحيم. «كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق، وقد آتيناك من لدنا ذكراً». لو أراد القرآن أن تأخذي منها. «وقد آتيناك من لدنا ذكراً»، يعني كأن القصة السابقة كلها نحن نعرف أن في قصة طه. قلت لك على السريع. قلت لك إن هذه السورة يخاطب فيها رسوله الكريم وحبيب قلبه، ويقول له يا طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى.
أنا لا أريد منك أن تكون تعباً ولا أريد منك أن تكون شقياً في تبليغ الدعوة، إنما أحب أن يخفف عنه، أحب أن يسلي قصصاً عن الأنبياء السابقين. فجاءه بقصة موسى عليه السلام لأن موسى عانى كثيراً مع قومه ومع شعبه، ولقي منهم صعوبات كثيرة. فجاء القصة للرسول لكي يقول له لست أنت وحدك الذي تتعب، بل هم أيضاً كانوا متعبين في تبليغ رسالتهم. هنا يقول لك ماذا؟ «كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق»، وهي قصة موسى عليه السلام. «وقد آتيناك من لدنا ذكراً»، يعني ونحن أعطيناك قرآناً، ذكراً الذي هو قرآن.
أعطيتك القرآن، القرآن فيه كل معلومات العالم من أول آدم إلى يوم القيامة. فالذكر الذي أنا باعثه لك هذا فيه كل القصص عما سلف، فيه كل القصص عما سلف، في كل القصص عن الأنبياء، في كل شيء تعرفه. وتعرفين أن القرآن ذكر فيه كل أحداث الدنيا من أولها لأخرها إلى يوم القيامة. «ما فرطنا في الكتاب من شيء». أي شيء تحاولين أن تبحثي عنه ستجدينه في القرآن. كانوا يقولون إنها طلعي مثلاً تفتيت الذرة. القرآن قال تفتيت أن له آية.
القرآن ذكرها لتفتيت الذرة. «وما من ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر». قالوا ها أي أصغر من الذرة؟ ما هو أصغر من الذرة؟ تفتتها. فذكرها القرآن. كل شيء موجود في الدنيا مذكور في القرآن. أشياء كشفوها وأشياء لم يكتشفوها بعد. فالقرآن حاوٍ لكل شيء في حياتنا. ومن أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً. وقلت لك أعرض، أعرض يعني نحن عندنا نعرف طول وعرض. نحن بالعامية هكذا عندما نكلم شخصاً يكون متضايقاً تقول له حسناً أرني عرض كتاف واذهب.
ألسنا نقولها هكذا؟ عرض كتافك يعني لف ظهرك وامشِ. فمن أعرض عنه يعني لف وأعطاه ظهره وتركه ولم يلتفت إليه. من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً، وزراً. الوزر الذي هو ماذا؟ الثقل الكبير. لأننا نعرف أن في يوم القيامة أعمالك تحول إلى صور مادية. يعني أتعرفين كيف؟ الكلمة يعني مثلاً سيأتيك في وقت عندما نشرح المعراج كيف أن من مات للربا بطنه تنتفخ وتصير كالغرفة أمامه، يعني كل شيء يتحول إلى أشياء صور. فالذي يعرض عن القرآن يحمل على ظهره ثقلاً كبيراً.
حتى يعني أيضاً أضرب لك مثالاً أن الذي يسرق شيئاً، مثلاً افترض أن واحداً سرق بقرة. يأتي يوم القيامة يحملها على ظهره. آه يعني ليست مسحة تعقب على السرقة، حامل الحمل الوزر الذي حمله على ظهره، فانظري الأحمال إذن. خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملاً. خذي بالك حملاً تقرأ بالكسرة لأن حملاً تبقى إنما حملاً يعني حملاً تحملينه. يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً. لن ندخل الآن في أحداث يوم القيامة لأننا استكفيناها. يوم ينفخ في الصور تعرفون إسرافيل عليه السلام عندما ينفخ النفخة الأولى نفخة الإماتة ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً.
لماذا قال زرقاً؟ هنا بعض التفاسير تقول يأتي الإنسان عندما يكون في موقف ومجنون ومضايق ومتضايق ضيقة كبيرة تجد وجهه أسود أو أزرق قليلاً، اتحشر. فيقول لك اتخنق وجهه. نحشرهم زرقاً من كثرة ما هم قادمون من القبور وعارفين أن مصيرهم في النار. نحن قلنا الإنسان قبل أن يموت، في لحظات الاحتضار الأخيرة، يأتي الملك يقول له «فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد». يعني ما معنى بصرك حديد؟ نحن بصرنا في الدنيا لا نرى إلا بين ألوان الطيف الأحمر والبنفسجي.
وراءها لا نستطيع أن نرى. ولذلك لا تستطيعين أن تري الملائكة ولا الجن ولا عالم البرزخ ولا أشياء غيبية لا نستطيع أن نراها لأن نظرنا محدود. في لحظات الاحتضار الأخيرة بصرك يبقى حديداً. حديداً يعني تستطيعين أن تري الملائكة وتري رسول الله وتري الأئمة واقفين حولك، طبعاً هذه بعين برزخية، وليست بعينك الحقيقية. فكشفنا غطاء لأننا الآن نعيش في عالم أغطية كلها أغطية. يعني نتحرك كأننا نعيش الناس نيام فإذا ما ماتوا انتبهوا. نحن مثل كأننا نائمون، لست قادرة على رؤية شيء.
جسمك ثقيل، لست قادرة على الطيران، لست قادرة على التحرك، يجب أن تعرفي كيف؟ لست قادرة على رؤية كل شيء، يا دوب نظرك محدود بأشياء بأشياء. أما في عالم بعد الموت فتارين عالم الملكوت كله. تارين عالم الخلقة الطبيعية لله سبحانه وتعالى. ولذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يشدد ويقول لك ماذا؟ الطفل في بطن أمه يبقى جالساً مرتاحاً ومبسوطاً، لكن يخرج فيبكي، لأنه لا يريد الخروج من عالمه، إنما بس يطلع للعالم الذي هو فيه ويراه، تقول له ادخل مرة أخرى فيقول لك لا.
كذلك الإنسان بس يموت يخرج لعالم أكبر بكثير مما يتخيله عقلك، فلو خيرته أن يرجع للعالم مرة أخرى يقول لك لا. وأقول لك لاحظيها في المؤمنين، أن تجدي الإنسان عندما يموت قليلاً تبقى حواجبه مرفوعة بحركة لا. أنت يسأل، بعد أن يرى أمير المؤمنين ورسول الله صلى الله عليهما وآله أجمعين، ويرى الخير الذي بشر به، لأنه كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله بشر بخير. يبشر بخير، ولذلك عندما ربنا سبحانه وتعالى خلق الجنة وقال لها نادى مناد من تحت العرش،
قال لها قال لها ماذا هنا؟ من سكانك أيتها الجنة وكل ما فيك من النعم لمن أنت؟ فقالت لأهل لا إله إلا الله. ونشتاق لأهل لا إله إلا الله، ولا نطلب إلا أهل لا إله إلا الله، ولا يدخل علينا إلا أهل لا إله إلا الله.